لم يُنزِّل الله سبحانه وتعالى مَلَك الوحى إلى أنبيائه ورُسله بالشرائع السماوية، إلا ليُصلِح لعباده وخَلْقِه حياتَهم، فإذا تعاملوا فيما بينهم بالخُلُقِ القويم استقامت لهم الحياة، وسُعِدوا فى حياتهم ودنياهم، وفازوا أيضا فى أُخراهم، لأنهم أحسَنوا خُلُقَهم فى دنياهم مع خَلْق الله، فحُقَّ لهم أن يُحسِن الله لهم فى جواره يوم القيامة.
ولعِظَم وقيمة الأخلاق، وصَفَ المولى- عزَّ وجلَّ- خير خَلْقِه وسيَّدهم- صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم- بها، فقال تعالى: "وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ" (سورة القلم: 4)، ومُعظمنا يحفظ قول سيّد الخَلْق "إنما بُعثتُ لأُتمِّمَ مكارِم الأخلاق"، فالغرَض من البعثة المحمّدية هو إتمام الأخلاق، والعمل على تقويمها، وإشاعة مكارمها، بل الهدف من كل الرسالات هدف أخلاقى، والدين نفسه- كل دين سماوى، بل حتى الفلْسَفات الإنسانية الوضعية- هو حُسْن الخُلُق.
ولِمَا للأخلاق من أهمية نجدها في جانب العقيدة، حيث يربط الله ورسوله بين الإيمان وحُسْن الخُلُق، ففي الحديث لما سئل رسول الله: أي المؤمنين أفضل إيمانا؟ قال: "أحسَنهم أخلاقاً " [رواه الطبراني]، وفى حديث آخر يقول: "إن أحبَّكم إليَّ وأقرّبكم منّي مجلسًا يوم القيامة أحسنكم أخلاقاً" [رواه الترمذي].
ثم إن الإسلام عدّ الإيمان برًّا، فقال تعالى: (لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ) (البقرة: 177)، وقال النبي: "البِرُّ حُسْن الخُلُق" رواه مسلم.
كما أن الأخلاق في الإسلام ليست لونًا من التَّرَف يمكن الاستغناء عنه عند اختلاف البيئة، وليست ثوبًا يرتديه الإنسان لموقف ثم ينزعه متى يشاء، بل إنها ثوابت شأنها شأن الأفلاك والمدارات التي تتحرّك فيها الكواكب لا تتغيّر بتغيُّر الزمان لأنها الفِطرة (فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ) (الروم: 30).
وكذلك الأخلاق فى المسيحية، والمعروفة أيضاً باسم اللاهوت الأخلاقي، فهي نظام أخلاقي متعدِّد الأوجه. فهي أخلاق فضيلة، تُركِّز على بناء الشخصية الأخلاقية، وأخلاق واجبية، بل كل تعاليم السيد المسيح عيسى- عليه وعلى أمّه السيدة مريم العذراء السلام- يمكن إيجازها بكلمة واحدة وهي "المَحبَّة الكاملة"، حتى انه طلب من تلاميذه أن يحبّوا بعضهم بعضاً كما أحبَّهم هو. إنّ المبدأ الأساسي للحياة الأخلاقية المسيحية هو إدراك أن لكل إنسان كرامة، كونه مخلوقًا على صورة الله.
وذات الأمر فى الديانة اليهودية الحقَّة بعيدا عن التحريفات السياسية والتأويلات الصهيونية!
إذن، فالأخلاق هى العنصر والسلوك الوحيد الذى أجمعت عليه الرسالات السماوية والفلسفات البشرية السويَّة، أما الخروج عليها فليس له علاقة بدين أو حضارة، إنما هو انحراف بشَرى عمّا وضعه وأراده الخالق سبحانه لخَلْقِه.
ولذا، فأى إصلاح أو سعادة تبتغيها البشرية المعاصرة لن تتحقّق إلا باتّباع ما وضعه الخالِق من قواعد وأساسيات أخلاقية.
بل إن كمال الإيمان مرهون بحُسْن الخُلُق، لقول النبي: "أكمَلُ المُؤمنينَ إيمانًا أحسَنُهم خُلُقًا، وخيارُكُم خيارُكُم لنِسائِهم"، فهذا هو طريق النجاة والصلاح إذا صدَقْنَا النوايَا، فهل نحن صادقون؟!